اسماعيل بن محمد القونوي
10
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
تعلقت به ) أي الفاء المراد به قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ الآية ومدخول الفاء معطوف عليه والهمزة توسطت بين المتعاطفين لصدارته وتقدير الكلام أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ [ البقرة : 87 ] والاستفهام للإنكار أي لإنكار تعقيب ذلك بهذا الا لتعقيب إنكار ذلك بهذا إذ لا وجه له هنا ولما كان ذلك الإنكار إنكار الواقع ومآله التوبيخ قال طيب اللّه ثراه ( توبيخا لهم على تعقيبهم ذاك بهذا ) . قوله ( وتعجبا من شأنهم ) بيان حاصل المعنى فإن كل شيء يقع التوبيخ عليه مما يتعجب منه وإن قيل إنه إشارة إلى معنى آخر للاستفهام مجازي أيضا لزم الجمع بين المعنيين المجازيين وهو جائز عند المصنف لكن الوجه الأول هو الأحسن المعول عليه وقيل يعني أن قوله وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [ البقرة : 87 ] سبب وفكلما جاءكم مسبب أدخلت الهمزة بين السبب والمسبب للتوبيخ والتعجيب على معنى وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [ البقرة : 87 ] وأنعمنا عليكم بكذا وكذا لشكركم وللتلقي بالقبول فعكستم بأن كذبتم انتهى وهو مآل ما ذكرناه غير أنه تعرض لبيان كون الفاء للسببية ولم يصرح بكونه للتعقيب لاستلزامه التعقيب وإن لم يعكس وعادة الشيخين أنهما يتعرضان لبيان اللطائف في مواضع شتى فلا إشكال بأنه لم يتعرض لهذا في قوله تعالى : أَ فَتَطْمَعُونَ [ البقرة : 75 ] أَ فَتُؤْمِنُونَ [ البقرة : 85 ] أَ فَلا تَعْقِلُونَ [ البقرة : 44 ] مع أنه الموضع اللائق ببيانه لذكره أولا . وجعلوه موقع المسبب عن ذلك اللطف بدل القبول والالتزام على نحو : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [ الواقعة : 82 ] رتب استكبارهم وتكذيبهم على ذلك اللطف بالفاء الموضوعة للترتيب المستعملة ههنا للترتيب المسبب على السبب دلالة على تعكيسهم مسبب الشيء بما ليس مسببا عنه وأدخلت همزة الإنكار توبيخا على تعقيبهم غير المسبب على الشيء بدل المسبب عنه وتعجيبهم من تعكيسهم هذا وهذا التوجيه مبني على أن تكون الفاء لعطف ما بعدها من الجملة الشرطية إلى جملة فعلية قبلها وهي جملة : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [ البقرة : 87 ] وما عطف عليها ويجوز أن تكون الفاء للعطف على مقدر بعد الهمزة تقديره أفعلتم ما فعلتم أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ [ البقرة : 87 ] الآية فيكون من باب عطف المفصل على المجمل بحرف دال على الترتيب لأن مرتبة التفصيل إنما هي بعد الإجمال وأشار المصنف رحمه اللّه إلى هذا الوجه بقوله ويحتمل أن يكون استئنافا والفاء للعطف على مقدر فيكون استئنافا لمجموع المعطوف المذكور والمعطوف عليه المقدر بعد الهمزة والهمزة لإنكار ما فعلوا من التكذيب والعناد والمخالفة والاستكبار بعد التزامهم بموجب أخذ الميثاق فالهمزة على التوجيه الأول مقحمة وعلى الثاني لا وتلخيصه أن الفاء في قوله أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ إما سببية أو عاطفة فإذا كانت سببية يكون ما بعدها مسببا عما قبلها على سبيل التعكيس فلا يجب تقدير مسبب عن الايتاء قبل الهمزة وتقدير المعطوف عليه بعدها والوجه هو الأخير لما يحصل منه من تثنية التقريع والتوبيخ إجمالا وتفصيلا .